يمثّل كتاب العُمدَة « موسوعة » في النّقد العربيّ القديم، وفي فنون البلاغة، وفي علم الأَنساب وأصوله، ومنازل القمر، والأماكن والبلدان، وأيّامِ العَرب وأشعار الخُلفاء والقضاة والفقهاء والكُتّاب، والتكسّب بالشعر والأنفة منه، والمطبوع والمصنوع، وأوزان الشّعر وأعاريضه وأغراضه من غَزل ونَسيب ومَديح وافتخار ورثاء وهِجاء، والصّفات التي يحسُن أن يتحلّى بها الشّاعر، وأوقات صَنعة الشّعر؛ وأبواب البلاغة من استعارة وتمثيل ومَثل سائر وتشبيه وإشارة وكِناية ورَمز وتجنيس، والتّقسيم في المنظوم والمنثور، والاستطراد والالتفات، والحشْو وفُضول الكلامِ، والتَّكرار والوصف، والاستشهاد بالشِّعر، وما انفرد به الشُّعراء، والمآخِذ عليهم، والسّرِقات وما شاكلها.
كما يمثّل الكتاب نقلة نوعيّة من النّاحية النّظريّة والمنهجيّة. ولعلّ هذا ما جعل ابن خلدون يقول عنه : «وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وإعطاء حقها، ولم يَكتب فيها أحدٌ قبله ولا بعده مثله ». وكلّ ناحية في العُمدَة أكانت نقديّةً أم بلاغيّة أم تاريخيّة، يمكن أن تلتقي بناحية أخرى؛ إذ تَرجع كلّها إلى ما نعبِّر عنه بـ « ديوان العَرب »، فمهما تباعدت المسافاتُ بين النّصوص والقصائد، وتنازع النّقدَة والبلاغيّون من الأحكام؛ فالأمرُ يتعلّق في العمدة بِهذا الدِّيوان من حيث هو سجلّ مآثر العرب ومفاخرهم، والنّسَق الذي يستوعب المُختلف داخله ليبقى نسقا. فليس بالمُستغرب أن يكون العمدة « موسوعة »، إذ هو ينضوي إلى ثقافة تتآخذ علومها وتتواصل؛ فيراوحُ كلّ منها داخل حدود العِلمِ الذي يتخصّصُ فيه، ولكنّه يلوي في الآن نفسه على نَواح من التَّرابُط بينه وبين غيره من العلوم.
يعدّ كتاب العمدة تتويجا لحركة أدبيّة ونقديّة اتّضحت معالمها في النّصف الأخير من القرن الرابع وأَفَلَتْ مع خراب القيروان سنة 449 هـ ثمّ انتقل ما بقي منها إلى صقلّية و الأندلس . ولا يُفهم حقّ فهمه دون ربطه بما أحدثه ابن هانئ وعلي الإيادي ، على سبيل المثال، من حركة شعريّة، وما وطّده القزّاز من علوم اللغة، وما قدّمه النهشلي من خطاب نقديّ.
ولئن خصّص ابن رشيق كتاب " أنموذج الزّمان " لشعراء إفريقيّة ، فإنّ إحالاته في كتب العمدة مشرقيّة أساسا، باستثناء الأبيات التي أوردها لنفسه أو لأابن أبي الرّجال، وآرائه بخصوص ابن هانئ المغربيّ ، ونقوله عن عبد الكريم النّهشليّ و الخشنيّ القيروانيّ .
أهدى ابن رشيق كتاب العمدة إلى أبي الحسن عليّ بن أبي الرّجال ، اعترافا له بالجميل، وقد أورد له أبياتا في باب أشعار الكتّاب، وفي مواطن أخرى.
وجدتُ الشعر أكبر علوم العرب، وأوفر حظوظ الأدب، وأحرى أن تُقبل شهادته وتُمتثل إرادته (...)ووجدتُ الناس مختلفين فيه متخلّفين عن كثير منه : يُقدّمون ويُؤخّرون ويُقلّون ويُكثرون، قد بوّبوه أبوابا مبهمة، ولقّبوه ألقابا متّهمة، وكلّ واحد منهم قد ضربَ في جهة، وانتحل مذهبا هو فيه إمامُ نفسه، وشاهدُ دعواه، فجمعتُ أحسن ما قاله كلّ واحد منهم في كتابه، ليكون « العُمدة في محاسن الشعر وآدابه »، إن شاء الله تعالى. وعوّلتُ في أكثره على قريحة نفسي، ونتيجة خاطري، خوف التكرار، ورجاء الاختصار؛ إلّا ما تعلّق بالخبر، وضبطته الرّواية، فإنّه لا سبيل إلى تغيير شيء من لفظه ولا معناه.
- "والبيت من الشعر كالبيت من الأبنية: قرارُه الطّبع، وسُمْكُه الرواية، ودعائمه العِلم، وبابُه الدُّربة، وساكِنُه المعنى، ولا خير في بيت غير مسكون. وصارت الأعاريض والقوافي كالموازين والأمثلة للأبنية، أو كالأواخيّ والأوتاد للأخبية، فأمّا ما سوى ذلك من محاسن الشعر فإنّما هو زينة مُستأنفة، ولو لم تكن لاسْتُغنيَ عنها".
وحدثّني بعضُ أصحابنا من أهل المهدية- وقد مررنا بموضع يعرف بالكدية، هو أشرفها أرضا وهواء- قال: جئتُ هذا الموضع مرّة، فإذا عبدُ الكريم على سطح برج هنالك قد كشف الدنيا، فقلت: أبا محمد؟
قال: نعم. قلت: ما تصنع ها هنا؟ قال: ألقح خاطري، وأجلو ناظري. قلتُ : فهل نتج لك من شيء؟ قال: ما تَقَرّ به عيني وعينك إن شاء الله. وأنشدني شعرا يدخل مسام الجلد رقة. قلت: أهذا اختيار منك اخترعته؟ قال: بل برأي الأصمعي.
(ص. 335-336)تشير النّسخة إلى أنّ الكتاب قد ألّف طلبا من ابن أبي الرّجال
حُقّق « العمدة » عدّة مرّات، منها طبعة أولى فِي تونِس سنة 1865. ولكنَّ المُنتشر منها نشرة محمد بدر الدين النعساني الحلبي، القاهرة، مطبعة السعادة، 1907. 1997، ونشرة النبوي عبد الواحد شعلان، القاهرة، مكتبة الخانجي 2000، ونشرة توفيق النيفر ومحمد المختار العبيدي وجمال بن حمادة، بيت الحكمة، تونس 2009، وهي تتميّز بفهارسها.
- الشنتريني، ابن بسّام، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق إحسان عبّاس (بيروت: دار الثقافة، 1997).
- بويحيى،الشاذلي، الحياة الأدبيّة بإفريقيّة في عهد بني زيري، تعريب محمّد العربي عبد الرزّاق(تونس: المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون الفنون،بيت الحكمة، 1999).
- خلدون، بشير، الحركة النقدية على أيّام ابن رشيق المسيلي (الجزائر: منشورات وزارة الثقافة، 2007).
خالية من الفهارس.