علّل إبراهيم الحصريّ وضع الكتاب بولوع أبي الفضل عبّاس بن سليمان بالأدب وجلبه كتبا من المشرق وطلبه منه أن « يجمع من مختارها كتابا يكتفي به عن جملها ». ولهذا الرّجل أهمّيّة لدى الحصري ، فإليه أهدى كتاب نور الطّرف .
فزهر الآداب كتاب اختيار قدّمه مؤلّفه كما يلي : « وبعد فهذا كتاب اخترت فيه قطعة كافية من البلاغات، في الشّعر والخبر، والفصول والفقر، ممّا حسن لفظه ومعناه، واستدلّ بفحواه على مغزاه، ولم يكن شاردا حوشيّا، ولا ساقطا سوقيّا...» وهذه الاختيارات غير معنيّة بمطوّلات الأخبار التي نجدها في العقد الفريد مثلا ممّا قد يحوّل الكتاب إلى مدوّنة تاريخيّة، فهو يرى في تلك ثِقَلا أدعى لتركها، ويتّجه في المقابل إلى ما كان « أجمل لفظا وأسهل حفظا » من « ألفاظ أهل العصر » ممّا قد يعزُب عن التصانيف الشبيهة بزهر الآداب ، ولهذا كثرت شواهد الهمذاني و الميكالي و الخوارزمي و ابن عبّاد و الثعالبي من أصحاب النثر، وشوارد ابن المعتزّ و أبي تمّام و ابن الرومي و كُشاجم و المتنبي من أعلام الشعر، فضلا عن لطائف الأخبار ونوادر الحكايات. وقد حرص المؤلّف على الابتعاد عن الشّائع المكرّر، كما حرص على التنويع و« إبعاد الشكل عن شكله »، لأنّ تجميع المتشابه قد يؤدّي إلى الإثقال على القارئ. ولا شكّ في أنّ سياسة الكتابة هذه عائدة إلى الجاحظ .
وقد غلب على الكتاب التّدوين المغربي المختلف للأدب المشرقيّ، بحيث أنّه أسقط الأسانيد والأخبار الطوال في اتّجاه أدب معاصر يتخفّف قدر الإمكان من محيط ذلك الأدب في المشرق .
ولم يخل الكتاب مع ذلك من شواهد لشعراء إفريقيّة ، هم ابن هانئ الأندلسيّ و عليّ بن محمّد الإياديّ والأمير تميم بن المعزّ لدين اللّه الفاطميّ و عبد الكريم النّهشليّ .حظي كتاب " زهر الآداب وثمر الألباب " بما لم يحظ به كتاب آخر لإبراهيم الحُصري من شهرة ورواج. وقال عنه ابن بسّام الشّنترينيّ إنّه « عارض أبا بحرٍ الجاحظ بكتابه الذي وسمه بزهر الآداب وثمر الألباب ، فلعمري ما قصُرَ مداه، ولا قصَّرَتْ خُطاه، ولولا أنّه شَغَلَ أكثرَ أجزائه وأنحائه (...) بكلام أهل العصر دون كلام العرب، لكان كِتَابَ الأدب، لا ينازعه ذلك إلا من ضاق عنه الأمد، وأعمى بصيرته الحسد ». ( ابن بسّام ، الذخيرة ، 4/584). وقد أصبح موسوعة أدبيّة لا غنى لدارس الأدب القديم عنها، إلى درجة أنّ أبا الحسن بن برّي اختصرَه في عمل سمّاه اقتِطَاف الزَّهر واجتِنَاء الشِّعر .
هذا كتابٌ اخترتُ فيه قطعة كافيةً من البلاغات،في الشعر والخبر، والفصول والفِقَر، ممّا حسُن لفظه ومعناه، واستدلّ بفحواه على مغزاه، ولم يكن شاردا حوشيّا، ولا ساقطا سوقيّا.
وهو كتابٌ يتصرّفُ الناظرُ فيه من نثره إلى شعره، ومطبوعه إلى مصنوعه، ومحاورته إلى مفاخرته، ومُناقلته إلى مُساجلته، وخطابه المُبهِت إلى جوابه المُسكِت، وتشبيهاته المصيبة إلى اختراعاته الغريبة، وأوصافه الباهرة إلى أمثاله السائرة، وجِدّه المُعجِب إلى هزله المُطرِب، وجَزْله الرائع إلى رقيقه البارع.
وقال عليّ بن محمّد الإياديّ يمدح المعزّ ويصف دار البحر بالمنصوريّة :
ولمّا استطال المجدُ واستولت البُنى على النّجم واشتدّ الرّواق المروّق
بنى قبّة للملك في وسْط جنّة لها منظر يُزهى به الطّرف مُونق
بمعشوقة السّاحات أمّا عراصها فخضر وأمّا طيرها فهي نطّق
تحفّ بقصر ذي قصور كأنما ترى البحر في ّأرجائه وهو مُتْأق....
دار البحر : قصر للمعزّ لدين اللّه الفاطميّ بالمنصوريّة-قرب القيروان- استحدث فيه بركة كبيرة سمّاها "بحرا" لاتّساعها.
نُشر "زهر الآداب" أوّل ما نشر على هامش "العقد الفريد" لابن عبد ربّه الأندلسي (بولاق: 1895)، ونشره زكي مبارك مستقلّا في أربعة أجزاء بمجلّدين، مع الضبط والشرح، (القاهرة: المطبعة الرحمانيّة، 1925)، ثمّ أعاد نشره ثانية بعد أربع سنوات مع مزيد ضبط كما ذكر في مقدّمته الجديدة. وهذه النشرة نفسها هي التي زادها محمد محيي الدين عبد الحميد ضبطا وشرحا في طبعات متتالية بدار الجيل البيروتيّة. أمّا الطبعة التي استوفت شروط التحقيق من مقارنات بين المخطوطات (أربعة محفوظة بدار الكتب والوثائق المصريّة) وعودة إلى المصادر وفهارس متنوّعة فهي تلك أنجزها محمد علي البجاوي موزّعة إلى جزأين (القاهرة: عيسى البابي الحلبي، 1953). وقد صدرت من بعدُ طبعات أخرى،منها إصدار يوسف علي طويل في جزأين (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997)ومنها إصدار صلاح الدين الهواري في أربعة أجزاء وقد شفعها بفهارس (صيدا، بيروت: المكتبة العصريّة، 2001).
- بوده، العيد، منهجية التأليف عند أبي إسحاق إبراهيم الحصري القيرواني (الجزائر: أطروحة دكتوراه بجامعة قاصدي مرباح، ورقلة، 2019).